أهمية المشاركة التخطيطية مع القطاع الخاص
مداخلــه حـــول :
أهمية المشاركة التخطيطية مع القطاع الخاص
(بناء على دعوة الهيئة العامة للأراضي والمساحة والتخطيط العمراني)
المكان : الجهاز المركزي للإحصاء
صنعاء : الأربعاء الموافق 30/6/2021م
مداخلة مقدمة من المطور اليمني المهندس / محمد قاسم العريقي
أولويات المشاركة التخطيطية مع القطاع الخاص وأهميتها بدفع إستراتيجية البناء والإعمار
إنه وبحكم عملي كمهندس في مهنة التطوير العقاري على مدى عقود – إضافة لقيامي كمستثمر عقاري بتنفيذ العديد من المشاريع الإستثمارية هو ما جعلني ( بحمد الله ) أملك الكثير من التجارب والخبرات المهنية والتطويرية وذلك في إطار التعامل مع الجهات الحكومية المختصة في التخطيط العمراني، ومع المخرجات من هذا النوع من الإستثمار.
لعل ما ينبغي التأكيد علية هو التعريف بما يعانيه المستثمرين العقارين ناتج قيامهم بالتعامل مع جهات الإختصاص - تخطيط أو إستثمار – حيث تعامل معهم البعض بمثابة - الفريسة – بدلا من كونهم شركاء في التنمية يجب أن تدعمهم القوانين وان تحميهم الدولة.
لذلك نجد إن هذه الورشة قد جاءت في وقتها – نظرا لما يمر به الإقتصاد الوطني اليوم ( ناتج الحرب والحصار) وهذا جعلنا نتأكد بأن متخذي القرار قد وصلوا اليوم إلى قناعة تامه بأهمية الشراكة الحقيقة مع القطاع الخاص وتمكين هذا القطاع للقيام بدوره في عملية البناء والتنمية في مختلف المجالات الإقتصادية والإستثمارية.
إن إنعقاد ورشة العمل هذه وفي ظل الظروف الاستثنائية القائمة على الأرض تعد نجاحا بحد ذاته ، كما انها بمثابة المسار الصحيح لرسم الملامح الأولية بمفهومها الحقيقي من اجل الدفع بعملية (المشاركة التخطيطية مع القطاع الخاص).
وانطلاقا من هذا المفهوم والتوجه الذي نتطلع من خلاله الوصول إلى مخرجات علمية أكثر جدية وتفاعلا فإن ما سوف أستعرضه من خلال هذه المشاركة المتواضعة والذ سوف نستعرض فيها مجموعة من النقاط الذي نتطلع بأن تساهم في تعزيز مسار وخطوات ونجاح هذه الشراكة وتتمثل بالآتي :
أولا : إن شعار الورشة يجسد أهمية كبيرة لو تمت الترجمة الفعلية لمفهوم التمكين - أي تمكين صاحب القرار المتمثل في الدولة – لشركائها من القطاع الخاص وذلك للقيام بدور فاعل وحقيقي لترجمة مخرجات التخطيط العمراني إلى مشاريع فعلية على أرض الواقع.
ثانيــا : كمثال بسيط سبق للأم المتحدة وأن تبنت شعارا عالميا في تسعينيات القرن الماضي يقوم على مبدأ تشجيع الدول على المشاركة والتمكين مع القطاع الخاص ( وقد كان لي شرف الحضور في المؤتمر حينها مع الاخ / وكيل هيئة التخطيط حاليا ) ولكن للأسف ظل هذا الشعار كما هو مجرد شعار مكتوب على الورق ، دون أي تفعيل حقيقي لتمكين المطورين والمستثمرين والعقاريين من المشاركة في التعامل الفني مع المخططات التي تناسب مشاريعهم وتناسب المستفيدين من المشروع.
ثالثــا : كان من المفترض أن تستوعب الدولة فكرة بأن عملها يكمن في وضع استراتيجيات التخطيط ومن ثم اسقاط مخططات الربط بين المحافظات، وصولا لتحديد المحاور للمخططات وأيضا تحديد عملية الاستخدام بحيث تترك لشريكها الأخر وهم ( المطورون – المستثمرون العقاريين ) القيام بتجهيز المخططات التفصيلية لمشاريعهم ( حسب حاجاتهم الاستثمارية).
وحينها كانت الدولة قادرة على تحقيق الكثير من الفوائد المباشرة وغير المباشرة – لا يسعنا الوقت لذكر تفاصيلها الان.
رابعــا : كما هو الحال في العديد من الدول حيث تترك للمطورين العقاريين – وايظا المستثمرين القيام بدورهم التفصيلي بعد ان تقوم الدولة بسن قوانين التخطيط وايضا إستخدام المساحات للمتجاورات والمجمعات الإسكانية، بالإضافة إلى إقرار قانون البناء ..حينها سيتنافس المطورين في ترجمة هذه القوانين وأدلتها الإرشادية للخروج بمشاريع مختلفة في المظهر العام والاستخدام مدعومة بالمواد المستحدثة الأرخص والأجمل والاكثر ديمومة- بدلا مما تظهر فيه مدننا الحالية من نمطية متكررة ومملة وذات كلفة كبيرة على ميزانية الدولة.
خامســا : إنه ومن واقع التجارب التي مريت بها طوال عملي في مشاريع الإسكان باليمن منذ مطلع الثمانينات مرورا بالتسعينات وما بعدها ساهمت إلى حد كبير في اكتساب الخبرة للخوض في العديد من التجارب كمطور للدراسات ومستثمر عقاري سواء في صنعاء شمالا أو عدن جنوبا وفي مختلف المحافظات اليمنية ، فإنه وللأسف كانت مليئة بالمعاناة ... وهذا ما عاناه أيضا الكثير من المستثمرين العقارين من كل تلك الإجراءات التي كانت سببا في تعطيل الاستثمار- لاسيما ذلك الإستثمار الذي يطلق علية الأخرين ( أم كل انواع الإستثمارات) والذي يبدأ عادة من شراء الأرض وتوثيقها عقاريا – مرورا بعملية التخطيط للأرض ، كما يتطلبة نوع الإستثمار.. وصولا إلى المشاكل التمويلية من البنوك وغير ذلك من الإجراءات التي لا حصر لها ، حيث إن غياب الترجمة العادلة لقانون الإستثمار هي من تساهم في تفاقم أساليب وطرق التعقيد التي لا زالت تشكل بيئة طارده للمستثمرين والإستثمار والتي تكون سببا في طول زمن المشروع وتشويه سمعه المستثمر فضلا عن زيادة المخاطر وارتفاع التكلفة إذا ما أضفنا لذلك مخرجات الفساد المؤثرة على هذا أو ذاك المشروع.
ونتيجة لذلك .. فليس غريبا ما نراه هذه الأيام حول إتجاه معظم المستثمرين لشراء أرض في منطقة مخططه ومن ثم قيامهم ببناء مشروع (سكني – تجاري – سياحي – مكتبي) وتكون النتيجة ظهور مشاريع تمثل عبثا على المخططات والمدن لا تتوفر فيها أي من المتطلبات الإستخدامية أو الجمالية ، مما ينتج عنه مشروعا مشوها وغير آمنا وأيضا لا ينسجم مع أي قانون من قوانين البناء المعمول به عالميا، وهذا يضع أمامنا الكثير من التساؤلات المهمة التالية :
- ما هو السبب الذي دفع بالمستثمرين الاتجاه نحو هذا الخيار – بدلا من إختيارهم أرض واسعة وغير مخططه بحيث يقومون بتخطيطها وتحمل تكاليف خدماتها وبنيتها التحتية بل وحتى إدارة تشغيلها؟.
- لماذا لا تقوم الدولة بحساب تكاليفها الكثيرة المصروفة على المتجاورات السكنية حتى تقتنع بتمكين شركائها من القطاع الخاص القيام بهذا الدور وصولا إلى مدن ثانوية متكاملة الخدمات ؟.
- لماذا لا تسارع الدولة بالتفعيل العملي للسجل العقاري الإلكتروني ومن ثم تطبيق قانون التخطيط وقانون البناء وبما يهيئ محيط صنعاء وغيرها من مراكز المحافظات التوسع المنتظم بالتعاون مع الشركاء بدلا من العبث القائم حاليا.
وهنـــا نقترح .. ( أن تقوم الهيئة + الجهات ذات الإختصاص) في ورشة العمل هذه إلى إطلاق موعدا للدعوة لمؤتمر يقدم فيه الحلول من الشركاء الثلاثة ( الحكومة – المستثمرون العقاريون – المطورون الفنيون ) على أن يتم من خلال المؤتمر الإعلان عن أول المشاريع العقارية الكبرى – بعد أهمية تأكيد الإجابة على التساؤلات التالية :
- هل جاء الوقت حتى نباشر بتقييم مخرجات الإستثمار العقاري؟ ومالذي تراهن عليه معظم الدول لأهم مخرجات الإقتصاد والتنمية على الأقل كنموذج في صنعاء؟ وذلك من حيث :
- مردودة المقارن بالدول الأخرى التي سبقتنا في هذا النوع من الإستثمارات أو مع من باشرت برهن كل مستقبلها التنموي عليه وآخرهم دولة عمان.
- التزامه بتطبيق ما نصت علية قوانين البناء – نصا وروحا وتنفيذا.
- تحديد دوره في التخفيف من العشوائيات – وما يمكن أن يمنحه من فرص لامتلاك الشباب.
- فوائد التوفير من الموازنات المالية الذي تخصصها الدولة لتنفيذ البنية التحتية والخدمات وتجهيز المخططات.
- هل حان الوقت لإنشاء غرفة شراكة (ثلاثية الأعضاء)تصب فيها كل انواع المشاكل التي تعترض عملية الانطلاق لهذه الإستثمارات ضمن خطة عمل متزامنة النتائج ، وبما يحقق تنمية مستدامة داعمة للإقتصاد الوطني.
- هل جاء الوقت حتى تدعو الدولة المطورين العقارين والاكاديميين في الجامعات للعمل معا لتقديم الدراسات والمقترحات حول نظام التخطيط ليضاهي كل جديد في العالم ، مستفيدا من ما نمتلكه من مخزوننا الحضاري من خلال تقييم المدن بالإعتماد والإستفادة من عناصر البيئة وانظمة الحركة الحديثة كما هي قائمة فعلا في المجتمع اليمني، وبما يضمن ظهور مدن جديده (ثانوية أو موازية ) أقل إزدحاما وأكثر إنسانية.
لقد اصبح هذا الأمر أكثر اهمية خاصة ونحن امام قدرات منعدمة للدولة وأمام قدرات الدولة للتعامل مع الحركة الاسكانية الأسرع منها وما ينتج عن ذلك من عجز لدعم تلك التجمعات بالماء والكهرباء والمجاري – سيتوجب عليها التعامل الصادق مع شركائها من المطورين والمخططين الاكاديميين لتقديم الحلول المبتكرة حتى يتمكن المستثمرين من إنشاء المجمعات السكنية القادرة على التعامل بيئيا للموازنة بين مدخلات ومخرجات الأحياء السكنية بطرق مستحدثة في ذات التجمع وبطرق إستثمارية يساهم فيها المجتمع في القيام بدور فاعل.
وعليــه ... نحن لسنا أول دولة تتعرض للحرب والدمار والحصار – فقد تعرضت الكثير من الدول قبلنا، لكنها في المقابل سرعان ما نهضت عندما مكنت (القطاع الخاص للقيام بدوره في الشراكة ) وحينها سيكون بإمكاننا ان نجمع ونقيم تجارب عوامل نهوض هذه الدول للإستفادة منها ،وبما يخدم أيضا ما تستهدفه الرؤية الوطنية الشاملة خاصة إذا ما اخذت في إعتبارها ما يلي :
- الإعتماد على مبدأ التخطيط الإستراتيجي الشامل للربط بين المحافظات والربط بينها وبين مصادر الطاقة وايضا بينها وبين البحر ، وصولا لتحديد مواقع يتم فيها تشجيع القطاع الخاص لإنشاء المدن الموازية (بمسمياتها المختلفة) حت تتحقق الأهداف التالية :
- خلق تنمية كبرى تهدف إلى فتح فرص عمل وتشغيل المعدات المجمدة ( بنظام اتعاب مبتكره) بدلا من المقاولة وهذا سيساهم أيضا في فتح منافذ عمل للأيدي العاملة المشلولة ناتج الحرب والحصار.
- خلق امل لدى المستثمرين والمغتربين اليمنيين وبما يشجعهم للعودة للمشاركة في إستثمار إنشاء المدن الموازية الجديدة والذي سيساهم في تحديد موقعها ( المطورين بالتعاون مع الجهات المختصة) بالتخطيط الإقليمي للربط بين المحافظات.
- التخفيف على عواصم المحافظات الحالية والتي تتعرض لإعادة الشد لمخططاتها المرهقة ، خاصة وأن معظمها قد تعرض محتوياتها للقصف والتدمير وغزتها العشوائية والتلاعب القانوني للملكيات العقارية.
- تفعيل أسس مستحدثة لتمويل ما سيتم إسقاطه المسقط في المخططات الإقليمية بين المحافظات – وايضا المدن الموازية وذلك من خلال الشراكة الإستثمارية بين المجموعات المختلفة للقطاع الخاص المحلي وبين نظرائه من الخارج ، على أن يتم دعم ذلك وبما يقلل من مخاطر القطاع الخاص عن طريق إبتكار القوانين وعرض ضمانات سيادية تعتمد على ما تمتلكه الدولة من أراضي مهملة أو يسيطر عليها الفاسدين – بالإضافة لتشجيع إنشاء شركات مساهمة تعم فيها الفوائد لأكبر عدد من السكان.. وحينها :
- سنجد بأن القطاع الخاص قد أنطلق بالتنمية الشاملة من رحم الإستثمار العقاري سواء في زمن الحرب أو السلم .
- سنرى أمامنا مدن جديدة تنمو وصناعات مكملة لها تزدهر وبنية تحتية تظهر دون أن تضطر الدولة لتحمل تكاليفها ( كما هو الوضع حاليا ) ومن ثم ستمكن البنوك وبيوت الصرافة من إعتماد منفذ لتشغيل وإستثمار أموالها بدلا من تجميدها في سندات الخزانة أو تهريبها إلى الخارج .
واخيــرا... وكخلاصة ندعو القائمين على هذه الورشة على تضمين إقامة المؤتمر المقترح في هذه المداخلة على ان يكون قبل نهاية العام ... حينها سنجد عجلة التنمية قد انطلقت من واقع الشراكة بين المجموعات الثلاث المشار إليها – ومعها ستوفر الدولة الكثير من الإيرادات المالية والنهضة الإستثمارية والاقتصادية على غرار تلك الدول التي سبقتنا في هذا المجال... والله الموفق.
تمنياتنا للجميع بالتوفيق والنجاح،،،
.